ليس التسامح مجرد كلمة تُقال في المناسبات، أو شعاراً نرفعه حين تضيق
بنا السبل، بل هو ثورةٌ صامتة يقودها القلب ضد قيود الكراهية، وانعتاقٌ
كامل من سجون الماضي المظلمة.
إننا نعيش في عالمٍ تتسارع فيه الخطى، وتتصادم فيه المصالح، فكان لا بد
لنا من "مركب نجاة" يحمي أرواحنا من الغرق في بحار الأحقاد، ولم نجد أطهر
ولا أنقى من التسامح ليكون هو ذلك الشراع الذي يقودنا نحو شواطئ السلام
النفسي والاجتماعي.
حين نصفح عمن أساء إلينا، فنحن لا نمنحه صكاً بالبراءة فحسب، بل إننا في
الحقيقة نمنح أنفسنا فرصة ثانية للحياة.
فالحقد، كما يقول الحكماء، هو سمٌّ نتناوله نحن بانتظام آملين أن يموت
به الآخرون!
ومن هنا يأتي التسامح ليغسل هذه الروح، ويطهر القلب من صدأ الضغينة،
ويجعله يرفرف في فضاءات المحبة.
إنه القرار الشجاع بأن نترك أمتعة الماضي الثقيلة خلفنا، وألا نسمح
لأخطاء الآخرين أن ترسم ملامح مستقبلنا.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى التسامح من شيم المؤمنين الأقوياء، لا
الضعفاء؛ فقال عز من قائل في محكم تنزيله: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ).
وفي هذه الآية لفتةٌ إنسانية عميقة تربط بين تسامحنا مع البشر
ومغفرة الخالق لنا. كما كان المصطفى ﷺ النموذج الأسمى في هذا الميدان؛
فبينما كان يُؤذى في جسده وفي دعوته،
كان يرفع يده للسماء قائلاً: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". هذا
المنهج النبوي لم يكن ضعفاً، بل كان "سموّاً" يهدف إلى بناء مجتمع متماسك
تسوده الرحمة قبل العدل، والود قبل القصاص.
إن المجتمعات التي تفتقر لثقافة التسامح هي مجتمعات قابلة للانفجار عند
أبسط خلاف. فالتسامح هو الصمغ الذي يربط لبنات الأسرة
الواحدة،
ويحفظ كيان المجتمع من التصدع. حين يتغاضى الأب عن زلل ابنه، ويصفح
الصديق عن هفوة صديقه، والجار عن خطأ جاره، فإننا نبني جداراً من الثقة
يصعب اختراقه.
التسامح يجعلنا ننظر إلى "مزايا" الآخرين لا إلى "عيوبهم"، ويحثنا
على أن نكون مرآة تعكس الجمال لا مجهراً يبحث عن العثرات.
يخطئ من يظن أن التسامح يعني النسيان التام أو الرضا بالظلم، بل هو
تسامٍ عن رد الإساءة بمثلها،
وإدراكٌ عميق بأننا جميعاً بشرٌ خطاءون. فكلنا نحتاج في لحظة ما
إلى يدٍ تمتد إلينا بالصفح، وإلى قلبٍ يتسع لزلاتنا. وكما قال علي بن أبي
طالب رضي الله عنه: "أعقل الناس أعذرهم للناس". فالإنسان العاقل هو من
يدرك تقلبات النفس البشرية وضغوط الحياة، فيلتمس لأخيه عذراً، بل سبعين
عذراً.
إن التسامح هو "زينة الفضائل"، وهو الوقود الذي تحتاجه قاطرة البشرية
لتستمر في المسير.
فإذا أردنا أن نعيش في عالم يسوده الحب، فعلينا أن نبدأ بغرس بذرة
الصفح في قلوبنا أولاً.
فليكن التسامح منهجنا، واللين أسلوبنا، والمحبة غايتنا، لنرتقي
بأنفسنا إلى مراتب الصفوة الذين قال فيهم الله: (والكاظمين الغيظ
والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).